عثمان بن جني ( ابن جني )

431

سر صناعة الإعراب

تضعيف الحرف عليهم أسهل من تأليفه مع ما يجاوره ، فلأجل ذلك أنه لما أراد بنو تميم إسكان العين من « معهم » استكرهوا أن يقولوا « معهم » فأبدلوا الحرفين حاءين ، وأدغموا الأولى في الآخرة ، فقالوا « محّم » فكان ذلك أسهل عليهم من اللفظ بالحرفين المقتربين . فقد تحصّل لنا من هذه القضايا أن الحروف في التأليف على ثلاثة أضرب : أحدها : تأليف المتباعدة ، وهو الأحسن . والآخر : تضعيف الحرف نفسه ، وهو يلي القسم الأول في الحسن . والآخر : تأليف المتجاورة ، وهو دون الاثنين الأولين ، فإما رفض البتة ، وإما قلّ استعماله . فإن قلت : ألست تعلم أن الإمالة إنما وقعت في الكلام ليتقارب الصوتان ، وذلك أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة لتميل الألف نحو الياء ، نحو « مالك » و « حاتم » وكذلك الحرفان إذا ضورع بأحدهما صاحبه نحو « مزدر » و « تزدير » أو أدني منه ، تقلبه إلى حرف آخر صريح ، نحو « صبقت » في « سبقت » و « صقت » في « سقت » و « صويق » في « سويق » . فإذا كانوا من إيثار المضارعة والتقريب على ما تراه فمن أين ساغ لك أن تقضي عليهم بكلفة التقارب في المخارج نحو الذال مع الثاء ، والسين مع الصاد ؟ فالجواب : أن الحس أعدل شاهد ، وذلك أنك إذا قلت : « دثّ » أو « سصّ » أو « كقّ » أو « حعّ » رأيت الكلفة ظاهرة والمؤونة مجحفة ، فأما تقريب الحرف من الحرف فليس ذلك التقريب بينهما بمصيّر للمقرب إلى حرف يجاور المقرّب منه ، وإنما هي مضارعة وإيجاد حروف فروع غير أصول ، وهي التي ذكرناها في أول هذا الكتاب . ألا ترى أن ألف الإمالة والصاد التي كالزاي إنما هما من الفروع الستة ، وليستا بأصلين مستقرين كالثاء ولا السين ولا الجيم اللواتي إذا ضممتهن إلى مجاورهن فقد استعملت هناك أصولا مستقرة ، ولم ترتجل فروعا يمكن التسلط عليها وقلة الحفل بها وأما من أخلصها زايا فقال « مزدر » فإنما جاز ذلك له لأن الزاي ليست من مخرج الدال ، فلما بعدا حسن الجمع بينهما .